أبو حامد الغزالي

158

تهافت الفلاسفة

مسألة [ في إبطال مذاهبهم في نفي الصفات ] اتفقت الفلاسفة على استحالة إثبات العلم والقدرة والإرادة ، للمبدأ الأول ، كما اتفقت عليه المعتزلة ، وزعموا أن هذه الأسامى وردت شرعا ، ويجوز إطلاقها لغة ، ولكن ترجع إلى ذات واحدة ، كما سبق ، ولا يجوز إثبات صفات زائدة على ذاته ، كما يجوز في حقنا أن يكون علمنا وقدرتنا أوصافا لنا زائدة على ذاتنا ، وزعموا أن ذلك يوجب كثرة ، لأن هذه الصفات لو طرأت علينا لكنا نعلم أنها زائدة على الذات ، إذ تجددت . ولو قدرت مقارنة لوجودنا من غير تأخير ، لما خرج عن كونه زائدا على الذات بالمقارنة ، فكل شيئين إذا طرأ أحدهما على الآخر ، وعلم أن هذا ليس ذاك ، وذاك ليس هذا ، فلو اقترنا أيضا لعقل كونهما شيئين ، فإذن لا تخرج هذه الصفات بأن تكون صفات مقارنة لذات الأول ، عن أن تكون أشياء سوى الذات ، فيوجب ذلك كثرة في واجب الوجود ، وهو محال ، فلهذا أجمعوا على نفى الصفات . * * * فيقال لهم : وبم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه ، وأنتم مخالفون من كافة المسلمين سوى المعتزلة ، فما البرهان عليه ؟ ! ، فإن قول القائل : الكثرة محالة في واجب الوجود ، مع كون الذات الموصوفة واحدة ، يرجع إلى أنه تستحيل كثرة الصفات ، وفيه النزاع ، وليست استحالته معلومة بالضرورة ، فلا بد من البرهان . ولهم مسلكان : الأول : قولهم : إن البرهان عليه أن كل واحد من الصفة والموصوف ، إذا لم